الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

224

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

رجل منهم إلى رجل وقال : إياي أن يفلت منهم رجل واحد فأضرب رقبة صاحبه ، فخلوا وتشاوروا وخافوا وعيده وحاذروا الغفلة فقال رجل منهم : يقتل كل رجل صاحبه ويأمن ، فما عسى ابن عبّاد يفعل بكم فعمد كل رجل منهم في محله فذبح أسيره وجعل رأسه تحت حجفته « 1 » ونام ، فلما أصبح وأمر ابن عبّاد بالسير ، أمر بإحضار الرّهناء ، فأتاه كل رجل يتل رأسا بشعره « 2 » فقال : ويحكم ماذا فعلتم بي ؟ قالوا : خاف كل رجل منا على نفسه قال : فما وقعت أنا وأنتم في الخوف بمثلها ، وشاع ذلك في خولان فرمته عن قوس واحدة وقصدوه إلى صعدة في جموع كثيرة . فاحتربوا حربا شحيحة « 3 » حتى أصابه سهم ، فجرّه مواليه قتيلا وكتموا أمره وقالوا : هو مجل « 4 » وقد مات ، وخرج بعضهم إلى المسلّم وهو في مسجد عبّاد « 5 » من صفح « 6 » ميفعان جبل صعدة فقال له : إنّ أخاك محمدا قتل وإن حريمك على هتك وجيرانك على شفا هلكة فاسترجع وقال : يا محمد ، لقد أدخلتني النار ، وقام إلى منزل إلى أخيه فنظره ولبس جبّته وخرج في ضبّة « 7 » من مواليه وبني عمه وفتح له درب القرية ووضع السيف وأذنت له القوم ورتع فيهم السيف « 8 » فأفرت أكيل فيهم « 9 » وقام برياسة أخيه وأذل خولان ، ولم يلبث المسلم أن مات ولأخيه محمد طفل سمي عبد اللّه ، [ ذكر استنجاد ابن عباد بالواثق العباسي على الأمير يعفر بن عبد الرحمن الحوالي وخبر الولاة القادمين إلى اليمن ] وملكت بنو سعد صعدة بعد المسلم فأخفى الطفل واسترق بالخفى إلى آل المنهال من بني عبد المدان « 10 » بنجران ، فكفلوه حتى أدرك ولحق بثار أبيه في

--> ( 1 ) الحجفة : الترس من جلود . ( 2 ) تله : أخذ بطرف الشيء ، وهي لغة مدينة أب وما جاورها ، ولعل منه قوله تعالى : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [ الصافات : 103 ] ، وإن كان قد جاء في التفسير أن معناه صرعه وطرحه على الأرض . ( 3 ) الحرب الشحيحة هي أن يشح أي يبخل بعضهم على بعض حذار أن يفوته . ( 4 ) كذا في الأصل مضبوط بالشكل بضم الميم وتسكين الجيم ، والمجل كما في القاموس : بفتح الميم وسكون الجيم . والعامة تكسر الميم : هو ما اجتمع تحت قشرة الجلد من ماء وقيح . ولعل المراد أن الرجل قد تقيح ولا يرجى له حياة . وفي ق : « هو مخله » . ( 5 ) كذا في الأصل : أي أن المسجد يعرف بمسجد عباد جد المذكور ، أما لأنه الذي أنشأه وعمره ، أول لكثرة عبادته فيه ، حتى عرف بمسجد عباد وفي ق : في مسجد عبادته . ولعله أصح . ( 6 ) الصفح بالصاد المهملة أعلى الجبل ، وبالسين المهملة : السفح ، أسفل الجبل وميفعان معروف بصعدة . ( 7 ) الضبة : الجماعة فيما أخال وفي الأساس : احتمله في ضبته وهو ما بين الإبط والكشح . ومن المجاز . خرج في ضبته : في أهله وعياله لأن يضمهم في كنفه . وفي ق : في صف . ( 8 ) لعل قوله : وأذنت له القوم ، مأخوذ من تأذن بالشر إذا تقدم ، وقوله : رتع فيهم السيف مجاز عن أكله فيهم . ( 9 ) أفرت : قطعت وشقت . ( 10 ) آل عبد المدان : أشهر من أن يوصفوا ، فلهم من المكارم والمفاخر ما تجل عن الحصر ، وهم سادة نجران وأشراف مذحج وأصحاب كعبة نجران ، وكانوا ضخام الأجسام ضخام الفعال ، ومدحهم الأعشى بغرر المدائح ، ويروى أن أمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر المتقدم الذكر قال : أتيت نجران فدخلت على -